مؤسسة آل البيت ( ع )
26
مجلة تراثنا
إذن لا تسقط فائدة معرفة أسباب النزول من خلال البحث الأصولي المذكور ، بل تتأكد . وثانيا : إن الرجوع إلى أسباب النزول قد لا يرتبط ببحث العموم والخصوص في الحكم ، وإنما يتعلق بفهم معنى الآية وتشخيص حدود موردها وتحديد الحكم نفسه من حيث المفهوم العرفي ، لا السعة والضيق في موضوعه كما أشير إليه سابقا ، ولنذكر لذلك مثالا : قال الله تبارك وتعالى : " إن الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر ، فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، ومن تطوف خيرا فإن الله شاكر عليم " سورة البقرة ( 2 ) الآية ( 158 ) . قال السيوطي : إن ظاهر لفظها لا يقتضي أن السعي فرض ، وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته ، تمسكا بذلك ( 18 ) . ووجه ذلك أن قوله تعالى : " لا جناح " يدل على نفي البأس والحرج فقط ، ولا يدل على الالزام والوجوب ، فإن رفع الجناح لا يستلزم الوجوب لكونه أعم منه ، فكل مباح لا جناح فيه ، والواجب - أيضا - لا جناح فيه ، لكن فيه إلزام زيادة على المباح ، ومن الواضح أن العام لا يستلزم الخاص . لكن هذا الاستدلال بظاهر الآية مردود ، بأن ملاحظة سبب نزولها يكشف عن سر التعبير ب " لا جناح " فيها ، وذلك : لأن أهل الجاهلية كانوا يضعون صنمين على الصفا والمروة ، ويتمسحون بهما لذلك ، ويعظمونهما ، وكان المسلمون بعد كسر الأصنام يتحرجون من الاقتراب من مواضع تلك الأصنام توهما للحرمة ، فنزلت الآية لتقول للمسلمين : إن المواضع المذكورة هي من المشاعر التي على المسلمين أن يسعوا فيها فإنها من واجبات الحج ، وأما قوله تعالى : " لا جناح " فهو لدفع ذلك التحرج المتوهم . فهذا الجواب يبتني على بيان سبب النزول كما أوضحنا ولا يمس البحث الأصولي المذكور بشئ . وقد أورد السيوطي في " الاتقان " أمثلة أخرى ، مما يعتمد فهم الآيات فيها .
--> ( 18 ) المصدر السابق ( ج 1 ص 109 ) .